حسن حسني عبد الوهاب
891
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
ثم عاد إلى القيروان وأخذ يعلّم الناس ويحدثهم بسنّة الرسول ، وقد انتفع به خلق كثير منهم معمر بن منصور ويحيى بن سلّام . وفي تلك المدة كان ابن فرّوخ يتعاطى التجارة في دكان له . قال ابن قادم : " كان ابن فرّوخ إذا أخذ الجند أعطياتهم أغلق حانوته تلك الأيام حتى يذهب ما في أيديهم من المال " . تورعا منه . وكان ابن فرّوخ يرى الخروج على أيمة الجور إذا اجتمع بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، فقيل : إن الأمير روح بن حاتم أرسل إليه ليوليه قضاء إفريقية فقال له روح : بلغني أنك ترى الخروج علينا ؟ فقال : نعم . وذلك إذا كنت مع ثلاثمائة وسبعة عشر عدة أصحاب بدر كلهم أفضل مني - فقال روح : أمنّاك أن تخرج علينا أبدا ثم عرض عليه القضاء فامتنع منه أشد الامتناع فألزمه الأمير غصبا وأقعده بالجامع وأمر الخصوم بنشر قضاياهم لديه ، فجعل ابن فرّوخ يبكي ويقول : " ارحموني يرحمكم اللّه تعالى " فأعلم الحرس بذلك الأمير فقال : " اذهبوا إليه يشير علينا بمن نولي القضاء مكانة " فقال ابن فرّوخ : " إن يكن فعبد اللّه بن غانم فإني رأيته شابا له صيانة وعناية بمسائل القضاء " وذلك في رجب سنة 171 ه . فولي ابن غانم ، وكان يشاوره في أحكامه وكثير من أموره ، فأشفق ابن فرّوخ من ذلك وقال له يوما : " يا بن أخي ، لم أقبل القضاء أميرا أفأقبله وزيرا ؟ " فألحّ عليه ابن غانم في مؤازرته له وشدد عليه الطلب ، فلما رأى ابن فرّوخ الجدّ من ابن غانم فكر في الخروج من البلاد والذهاب إلى المشرق فرارا من الزعامة وتفصّيا من الرئاسة ، وكان أكره الناس لمباشرة القضاء اقتداء بالأئمة المتورعين مثل شيخه أبي حنيفة النعمان . ذكر ابن فرّوخ قال : " قلت لأبي حنيفة : ما منعك أن تلي القضاء ؟ فقال لي : يا ابن فرّوخ ، القضاة ثلاثة : رجل يحسن العوم فأخذ البحر طولا فما عساه يعوم ، يوشك أن يكل ويغرق ، ورجل لا يحسن العوم على ما يرام فعام يسيرا وغرق ، ورجل لا يحسن العوم بتاتا ، ألقى نفسه على الماء فغرق من ساعته " . قال سحنون : " اختلف ابن فرّوخ وابن غانم في الرجل يوليه أمير غير عدل